الغزالي

245

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

فقد روى عكرمة عن ابن عبّاس : أنّ إبراهيم عليه السلام كان رجلا غيورا وكان له بيت يتعبّد فيه ، فإذا خرج أغلقه ، فرجع ذات يوم فإذا برجل في جوف « 1 » البيت ، فقال : من أدخلك داري ؟ فقال : أدخلنيها ربّها . فقال : أنا ربّها . فقال : أدخلنيها من هو أملك بها منّي ومنك ، فقال : من أنت من الملائكة ؟ قال : أنا ملك الموت . قال : هل تستطيع أن تريني الصورة التي تقبض فيها روح المؤمن ؟ قال : نعم ، فأعرض عني . فأعرض ثم التفت فالتفت فإذا هو بشاب ، فذكر من حسن وجهه ، وحسن ثيابه ، وطيب ريحه ، فقال : يا ملك الموت لو لم يلق المؤمن عند الموت إلا صورتك كان حسبه . ومنها مشاهدة الملكين الحافظين قال وهيب : بلغنا أنّه ما من ميت يموت حتى يتراءة له ملكاه الكاتبان عمله ، فإن كان مطيعا قالا له : جزاك اللّه عنّا خيرا فربّ مجلس صدق أجلستنا ، وعملا صالح أحضرتنا . وإن كان فاجرا قالا له : لا جزاك اللّه عنا خيرا فربّ مجلس سوء أجلستنا ، وعملا غير صالح أحضرتنا ، وكلام قبيح أسمعتنا . فلا جزاك اللّه عنّا خيرا . فذلك شخوص « 2 » بصّر الميّت إليهما ، ولا يرجع إلى الدنيا أبدا . الداهية الثالثة : مشاهدة العصاة مواضعهم من النار وخوفهم قبل المشاهدة فإنّهم في حال السكرات قد تخاذلت قواهم ، واستسلمت للخروج أرواحهم ، ولن تخرج أرواحهم ما لم يسمعوا نغمة ملك الموت بإحدى البشريين . إمّا أبشر يا عدوّ اللّه بالنار ، أو أبشر يا وليّ اللّه بالجنة . ومن هذا كان خوف أرباب الألباب . وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لن يخرج أحدكم من الدنيا حتى يعلم أين مصيره ، وحتى يرى مقعده « 3 » من الجنة أو النار » .

--> ( 1 ) جوف : باطن البيت وداخله . ( 2 ) شخوص : ارتفاع البصر . ( 3 ) مقعده : منزله .